تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
تراث ★ تاريخ ★ ذاكرة
الأربعاء، 29 يوليو 2026

المطوية... تاريخ الزوايا والمساجد

مدخل

مركز ديني وروحي في جنوب تونس

شكّلت المطوية، بما تضمه من واحات وقرى مجاورة، أحد أبرز المراكز التي احتضنت الحياة الدينية والروحية في جنوب تونس خلال فترة الحماية الفرنسية. فقد ارتبطت البنية الاجتماعية للواحة ارتباطًا وثيقًا بالمؤسسات الدينية التقليدية، وفي مقدمتها الطرق الصوفية والزوايا والمساجد، التي لم تكن تؤدي دورًا تعبديًا فحسب، بل كانت أيضًا مؤسسات اجتماعية وتربوية ساهمت في حفظ التماسك المجتمعي.

الطرق الصوفية

القادرية.. الطريقة الأكثر انتشارًا

حظيت الطرق الصوفية بمكانة بارزة في الحياة الدينية بالمطوية والعوينات، وأسهمت في ترسيخ قيم التكافل والتضامن والمحافظة على الهوية الدينية للسكان. وتشير الوثائق التاريخية إلى حضور أربع طرق رئيسية، كانت الطريقة القادرية أكثرها انتشارًا وتأثيرًا، إذ اجتمع أتباعها بصفة دورية لإحياء الحضرة، خاصة ليلة الجمعة، حيث تُتلى الأذكار والصلوات الجماعية على إيقاع آلة البندير.

الطرق الصوفية

البعلية والعيساوية والعروسية والتيجانية

مثّلت الطريقة البعلية، أحد فروع الشاذلية المرتبطة بالشيخ سيدي بوعلي النفطي، حلقة وصل روحية بين واحات قابس والجريد، وأسهمت في نشر التعليم الديني والتربية الصوفية.

كما عُرفت الطريقة العيساوية بمواكبها الشعبية وأذكارها الجماعية التي كانت تُقام خلال المناسبات الدينية والأعياد، في حين سجّلت الطريقة العروسية والطريقة التيجانية حضورًا لدى بعض الأسر والأفراد الوافدين إلى المنطقة.

الزوايا والمقامات

زاوية سيدي مبارك.. مركز للتحكيم العرفي

لم تكن الزوايا والمقامات بالمطوية مجرد أماكن للتبرك وإقامة الشعائر، بل أدّت وظائف اجتماعية وقضائية مهمة، فكانت فضاءات لعقد مجالس الصلح بين الأهالي، وتسوية النزاعات المتعلقة بتوزيع مياه الري ونظام النوبة، إضافة إلى تنظيم الولائم الجماعية وإقامة «الزردة» السنوية وإطعام المحتاجين.

وتُعد زاوية سيدي مبارك أهم زوايا المطوية وأكثرها شهرة، إذ كانت تمثل مركزًا للتحكيم العرفي بين فلاحي الواحة وسكان القرى المجاورة، وخاصة وذرف.

الزوايا والمقامات

مقامات العوينات والمعالم الروحية الأخرى

برز في العوينات مقام سيدي هريش باعتباره أحد أهم المعالم الروحية المرتبطة بالعين والواحة، حيث كان مقصدًا للزائرين وأصحاب النذور، وشكّل محورًا للحياة الدينية في المنطقة.

  • مقام سيدي خضر: ارتبط بالمسجد الذي يحمل اسمه داخل النسيج العمراني للبلدة.
  • مقامات أخرى: سيدي نصر وسيدي عبد الجواد وسيدي علي، المنتشرة بين الواحة والبساتين القديمة.
المساجد والتعليم الديني

الجامع الكبير وجامع سيدي خضر

اتسمت مساجد المطوية بعمارة بسيطة تتلاءم مع البيئة المحلية، إذ شُيدت بالحجارة والطين، وسُقفت بجذوع وسعف النخيل، بينما كانت ميضآتها تتزود بالمياه مباشرة من عيون الواحة وسواقيها.

ويُعد الجامع الكبير، أو الجامع العتيق، القلب الديني للبلدة، حيث احتضن صلاة الجمعة والخطب الدينية واجتماعات أعيان المنطقة. أما جامع سيدي خضر فقد كان من أقدم مساجد الأحياء، واشتهر باحتضان حلقات تعليم القرآن الكريم والعلوم الشرعية، إلى جانب شبكة من المساجد الصغيرة والمصليات والكتاتيب.

شهادات خارجية

المطوية في كتابات الرحالة والإدارة الاستعمارية

لم تحظ المطوية بكتاب مستقل لدى الرحالة، إذ كانت تُذكر غالبًا باعتبارها محطة واحية على الطريق الرابط بين قابس وصفاقس أو بين قابس والجريد. ومع ذلك، لفت انتشار القباب البيضاء والزوايا انتباه عدد من الرحالة، الذين أشادوا بدقة نظام الري التقليدي وإدارة المياه.

أما الإدارة الفرنسية، فقد أولت اهتمامًا خاصًا بالمؤسسات الدينية، فعملت على إحصاء الزوايا والمساجد والأئمة والأوقاف، ومتابعة نشاط شيوخ الطرق الصوفية، مع مراقبة المواسم الدينية والزردات، خشية تحولها إلى فضاءات لمقاومة السلطة الاستعمارية.

خاتمة

تكشف دراسة المشهد الديني بالمطوية خلال فترة الحماية الفرنسية عن الدور المحوري الذي أدّته الطرق الصوفية والزوايا والمساجد في بناء المجتمع الواحي والمحافظة على تماسكه. فقد تجاوزت هذه المؤسسات وظيفتها التعبدية لتصبح فضاءات للتعليم والصلح الاجتماعي والتكافل وتنظيم شؤون الري والأوقاف، وهو ما منحها مكانة راسخة في الذاكرة الجماعية لأهالي المطوية والعوينات.

المطوية... تاريخ الزوايا والمساجد
التالي
هذه احدث مشاركة.
رسالة أقدم